محمد طاهر الكردي

208

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

15 - كان دفنه صلى اللّه عليه وسلم بالليل ذلك تقدير العزيز العليم - ولم يحمل أحد جنازته صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه مات في بيته وغسل عند جدار بيته ، وصلى الناس عليه فرادى في بيته ، ودفن في بيته في موضع فراشه الذي مات عليه صلى اللّه عليه وسلم فلم تكن له جنازة يحملها الناس ويسيرون بها إلى المقبرة كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً إنه صلى اللّه عليه وسلم بشر لا كالبشر ، فأحوال الأنبياء لا تحيط بها عقول البشر . 16 - لقد وقعت بعض الأمور والإشارات في مرض موته صلى اللّه عليه وسلم كإسراره لابنته فاطمة رضي اللّه تعالى عنها ، أنه يقبض في مرضه هذا ، وأنها أول أهل بيته يتبعه ، فتوفيت بعده بستة أشهر . وكأمره أن يقدموا أبا بكر ، رضي اللّه تعالى عنه ليصلي بالناس إشارة إلى استخلافه بعده ، وقد كان ذلك ، فقد بايعه الناس كافة بالخلافة - إلى غير ذلك من الأمور التي لو أردنا ذكرها لطال بنا الكلام - تدل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو من جنس البشر ولكن عاداته خلاف عادات البشر . إنه ملحوظ بعناية اللّه ، مشمول برعاية اللّه ، معصوم بعصمة اللّه ، فحركاته وسكناته ، وأقواله ، وأفعاله بتقدير العزيز العليم وتدبيره ، فإذا تدبرت قوله عز وجل في آخر سورة الطور : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ظهر لك المعنى بوضوح تام ، فمن كان ملحوظا بعين العناية الربانية ، لا تكون أحواله كأحوال عامة الناس . روى الإمام أحمد عن عائشة ، رضي اللّه تعالى عنها ، قالت : كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإني واضعة ثوبي وأقول : إنما هو زوجي وأبي - فلما دفن عمر معهما فو اللّه ما دخلته إلا وأنا مشدودة عليّ ثيابي حياء من عمر . ا ه . فتأمل رحمك اللّه في قولها ليظهر لك معان دقيقة تخفى على كثير من المؤمنين . وكذلك تأمل فيما جاء في صحيح مسلم في فضل فاطمة رضي اللّه تعالى عنها ، الذي خلاصته : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعاها في مرض موته فسارّها فبكت ، ثم سارّها فضحكت ، فلما سألتها عائشة ، رضي اللّه تعالى عنها ، قالت : سارني فأخبرني بموته فبكيت ، ثم سارني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت . إذا تأملت رحمنا اللّه وإياك كل ذلك علمت أن الموت ما هو إلا انتقال من دار الفناء إلى دار البقاء . وعلمت أمورا أخرى كلما تعمقت في التأمل ، ولولا خوف الإطالة لبينا ذلك بالتفصيل والعاقل تكفيه الإشارة .